الخميس، 25 سبتمبر 2008
الشيخ العلامة
ن حقيقة "أن الإسلام هو الرسالة السماوية الأخيرة للبشرية" تحمل أهميتها هنا بقدر ما يتعلق الأمر بفئتين من غير المسلمين ظنت إحداهما أن رحلة الأديان توقفت عند السيد المسيح عليه السلام، وأخذت طابعها الأخير على يديه فليس ثمة بعده من نبوة، ولا بعد دينه من دين. وظنت الفئة الأخرى، أنه بعد المسيحية، كدين أخير، وبعد أن أثبتت عجزها عن قيادة الحياة، والإنسان، وملاحقة المتغيرات الفكرية والحضارية، وبعد أن أخفقت في الاستجابة للتحديات التاريخية المتجددة التي لا ينقطع سيلها، ترك الحبل على الغرب، ودُعي الإنسان، الذي لم تقدر النصرانية على أن تأخذ بيده حتى النهاية، دعي لكي يستجيش قدراته العقلية، وينقذ نفسه بنفسه، وفق برامج عمل مرحلية، تسلمه الواحدة منها للأخرى، معتقدًا أنه بهذا وحده قدير على ملء الفراغ، ومنح الإنسان القدرة على اجتياز رحلة الحياة على هدى وبيّنة.
وليس ثمة مجال للتأكيد هاهنا على إخفاق هذه المحاولات الوضعية المتواصلة، وبقاء الإنسان معلقًا من عنقه في فضاء مخيف، وليس ثمة من يمدّ يده إليه لكي يخلّصه ويهديه سواء السبيل، هذه المحاولات التي كان بعضها ينقض بعضًا، وكانت إحداها تضرب الأخرى لكي تدفع بها بعيدًا عن مركز القيادة والسلطان.عشرات، بل مئات، من المحاولات، كانت الحياة نفسها محكّ اختبارها وكان فشلها – في نهاية الأمر – معيار عدم قدرتها على أداء الدور الذي أريد للأديان أن تؤديه لصالح الإنسان.
وهكذا فإن اعتبار الإسلام هو "الدين الأخير" يحمل أهميته البالغة، ليس فقط في دحض قناعات الفئتين الآنفتي الذكر، اللتين تشكلان المساحة الكبرى من البشرية، بل باعتباره الدين الوحيد الذي يتحتم الانتماء إليه، والعقيدة المتفردة، من بين كل العقائد السماوية التي نسخها هذا الدين، أو الوضعية التي أثبتت نسبيتها وعدم قدرتها على أداء مهمتها في القيادة المتواصلة، الناجعة للإنسان والحياة. العقيدة القادرة في كل لحظة على تسلم مواقع القيادة، المستعدة في كل زمن ومكان لتأدية دورها المرسوم بعناية لصالح الإنسان، المستجيبة – أبدًا – للمتغيرات والتحديات.
ولم يكن الإسلام ليحمل هذه الصفة المتفردة، ولا ليصدر هذا الحكم الحاسم، باعتباره الدين الأخير الناسخ لما سبقه من أديان، والقادر – في الوقت نفسه على مواصلة الطريق حتى النهاية، دون أن يكون لديه ميزتان أساسيتان نريد أن نقف عندهما بعض الشيء. أولاهما عقيدة تتعلق بطبيعة الارتباط بين الإسلام وبين كافة الأديان السماوية التي سبقته، وثانيتهما حيوية تتعلق بطبيعة الارتباط بين الإسلام وبين كافة الأديان السماوية التي سبقته، وثانيتهما حيوية تتعلق بقدرة هذا الدين على قيادة الحياة البشرية، وتمكنه من تلبية حاجيات الإنسان، بغض النظر عن اختلاف الزمن والمكان، وتفاوت البيئات والأحوال.
إن اختبار هاتين الميزتين، ليس من قبل المسلمين أنفسهم الذين يسلّمون بهما تسليمًا قطعيًا، وإلا ما غدوا مسلمين ولا اقتنعوا بأحقية هذا الدين في الانتماء إليه، وإنما من قبل أولئك الذين يتحركون خارج دائرة الإسلام، ويحرصون، سلبًا أو إيجابًا، على تفحّص ميزات كهذه، لكي ينفوا أو يؤكدوا تلك المقولة التي تعتبر الإسلام دينًا أخيرًا، وهو في الوقت نفسه يملك ديمومته واستمراريته.
إن اختبار هاتين الميزتين (مما يدخل في سياق هذا الكتاب) والاقتناع بصدقهما وواقعيتهما، يمنح الإنسان غير المسلم قناعة كافية، من بين قناعات أخرى كثيرة، بأن دينًا كهذا يستحق "الشهادة" و"التقييم"، بل و"التقبّل" و"الانتماء"، وهذا هو ما تم بالفعل على نطاق ليس بمحدود كما سيتضح من متابعة معطيات الكتاب.
والحق أنه ليس أسهل على المرء من ممارسة اختبار كهذا، جرى ويجري على نطاق واسع، وذلك بمجرد الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إمرار النظر في معطيات الإسلام العقيدية والتشريعية، أو متابعة جانب من صيرورته التاريخية والحضارية.
إن القرآن الكريم، والسنة بالتالي، لا يؤكدان فحسب "تصديق" الإسلام لكافة الأديان السماوية التي(1) سبقته، وهيمنته على روحها وجوهرها، وصهره معطياتها الأصيلة في كيان ديني متوحّد، ذي نسيح واحد،ولكنهما يتجاوزان ذلك ، بما يتضمنانه من حشود الصيغ والمفردات إلى تأكيد مشهود لحقيقة أن الإسلام هو خاتم الأديان السماوية جميعًا، وجوهرها وروحها، وأنه كآخر محطة في مسارها الطويل، سيحمل كل ما تكفّلت حمله من قيم وأهداف وخبرات، سعت جميعًا عبر أماكن وأزمان متفاوتة، لتأكيد أهميتها للإنسان، ولتنفيذها في واقع الحياة.
إن هذا الاحتواء المؤكد لخبرات ومعطيات الأديان السابقة في أصولها الصحيحة، دفع الكثير من الدارسين إلى ذلك الوهم المعروف وهو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، قد تعلم من تلك الأديان وأخذ عنها، والأمر ليس كذلك، فإن ما نقضه الإسلام نفسه من تحريفات تلك الأديان، التي ظن أصحابها ولا يزالون، أنها من صلب أديانهم، وما طرده من أجسام غريبة – وثنية الأصول – في كيان هذه الأديان السماوية، يؤكد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، لم يبعث لكي يتلقى فحسب، أو يرفض فحسب، ولا حتى لكي يمارس عملاً انتقائيًا إزاء مفردات الأديان السابقة، لكي يركّب منها دينًا جديدًا. وإنما المسألة على خلاف هذا كله، فيما يبدو واضحًا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على أشد ما يكون الوضوح: تنزيل دين جديد، متميز، في طبيعة نسيجه، وفي المساحة التي سيتحرك عليها والأهداف التي دعي لتنفيذها، لكنه دين غير معزول عن تراث النبوات السابقة [قبل التحريف]، بل لقد كان يسعى منذ اللحظات الأولى إلى احتضان العناصر الإيجابية من ذلك التراث، وإغناء مكوناته بالجوانب المتألقة من تلك الخبرات، ولكنه – في الوقت نفسه – ما كان يتهادن أبدًا مع كل ما من شأنه أن يمس شخصيته المتميزة، ودعوته المتفردة للتوحيد المطلق، مما هو طارئ على الأديان السابقة، غريب عن نسيجها ذي الخيوط الواحدة الممتدة من السماء.
معنى هذا أن الإسلام ليس بدعًا من الأمر، وأن كل أبناء الأديان الأخرى مدعوون للانضواء إليه، لأنهم بهذا وحده سيكونون صادقين مع أنفسهم، ملبين مطالب الدين الذي ينتمون إليه. وأنهم بانتمائهم للدين الجديد سيعززون القيم الأصيلة لأديانهم السابقة، وسيمكنون لها في الأرض. إنهم بشكل من الأشكال، مدعوون لمغادرة قطاراتهم التي أنهكها المسير، ونفد وقودها، والتحول إلى قطار الإسلام ذي الوقود العجيب، والذي أريد له أن ينطلق لكي يلفّ العالم كلّه، وينقل الأجيال تلو الأجيال من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
إنه اختبار ليس صعب المنال، والنتيجة يتوخاها الممتحن المخلص كائنة هناك، في نسيج معطيات هذا الدين، منقوشة بوضوح متألّق في صفحات كتابه وكلمات رسوله عليه السلام.
ويقينًا فإنه بمجرد أن يتبيّن هذا اللقاء المرسوم بين الإسلام وبين أشقائه الذين سبقوه على الطريق، بمجرد أن يتضح هذا العناق في الروح، وفي الجوهر، بين الأديان السماوية جميعًا، وقد تبيّن هذا وذاك فعلاً، فإنه سيكون بمثابة واحد من الإغراءات الأشد إثارة، من الوعد المقنع، بأن الانتماء لهذا الدين ليس خيانة ولا هرطقة ولا مروقًا، ولكنه الصدق مع الله، والنفس، والضمير، والتوحد الأكثر حيوية وعطاء مع حركة الدين السماوي في هذا العالم.
ترى، كم من أولئك الذين عاينوا هذه المسألة، خرجوا لكي يقولوا للناس كلمة حق، أو يدلوا بشهادة تقييم لهذا الدين، وكم منهم، انتهوا أخيرًا إلى التحقق بالكلمة، والانتماء إلى دين هو بمثابة دعوة الحنيف واليهودي والنصراني، فضلاً عن الوثني والملحد؟
الثلاثاء، 23 سبتمبر 2008
الأحمر والأشقر
أين تقع طروادة؟
مدينة آسيوية قديمة، تقع على شاطئ البوسفور في آسيا الصغرى، القسم الآسيوي من تركيا حالياً، دمرتها حروبها الطويلة مع منافسيها من القبائل الأيونية والأيولية والدورية، وهي حروب امتدت حوالي قرناً كاملاً من الزمان قبل 900 عام من ميلاد المسيح، بسبب المنافسة على التجارة وفرض السيطرة البحرية على جزر بحر إيجة وسواحل الأناضول وشمال اليونان.اكتشف آثارها وأطلالها الألماني هينريش شليمان (1822– 1890) الذي قرر عام 1873 بعد بحث طويل مضني ومجهد دام أعوام ثلاثة أن إحدى الرُبا الواقعة في مدينة هيسارليك بشمال غرب تركيا هي على الأرجح موقع ”طروادة“ القديمة، فنقب في الربوة وحولها حتى اكتشف تحتها أنقاض طروادة ومعها حوالي تسعة مدن قديمة –بعضها قام فوق مدينة طروادة، والبعض تحتها- قبل أن يصل إلى طروادة هوميروس.
حرب طروادة
أسطورة يونانية تبرز الصراع الذي هزمت فيه بلاد الإغريق القديمة مدينة طروادة وقد ألهمت هذه الأسطورة كثيراً من الأعمال الرائدة في مجال الأدب الكلاسيكي.أصبحت بعض الحوادث التي وقعت أثناء أو بعد حرب طروادة موضوعاً لثلاثة أشعار ملحمية عظيمة وهي الإلياذة والأوديسة المنسوبتان للشاعر الإغريقي هوميروس، إضافة إلى الإنيادة للشاعر الروماني فرجيل.وقد تم تصوير أبطال وضحايا هذه الحرب في أعمال تراجيدية إغريقية مثل أجاممنون للكاتب إسخليوس، وأجاكس لسوفوكليس وامرأة طروادة ليوربيدس.اختلف العلماء حول حقيقة أسطورة حرب طروادة، فبعضهم يعتقد بأنها تُحرِّفُ وتبالغ في النزاعات الصغيرة التي شارك فيها الإغريق من حوالي عام 1500 إلى عام 1200ق.م ويعتقد الآخرون بأن الأسطورة مبنية على حرب واحدة كبيرة يعتقد الكثيرون بأنها وقعت أثناء منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد.وتتضمن ملحمة هوميروس المادة التاريخية لمختلف الأزمنة مع المادة الخيالية. ونتيجة لذلك لايمكن الاعتماد على مثل هذه الأعمال بوصفها وثائق تاريخية، ولكن علماء الآثار استطاعوا اكتشاف بعض الدلائل التاريخية، في حطام مدينة طروادة، وبعض الأماكن الأخرى التي أكدت بعض الحوادث الموصوفة في الملحمة.
بداية الحرب
وفقًا للأساطير الإغريقية القديمة، نشبت حرب طروادة نتيجة لحادثة في وليمة عُرس بيليس ملك ثيسالي وثيتس، وهي واحدة من إلاهات البحر.دُعي كل آلهة وإلاهات جبل أوليمبس ماعدا إيريس إلهة الخلاف مما أغاظها، ولذلك حاولت إثارة المشكلات في أوساط ضيوف وليمة العرس. أرسلت إيريس تفاحة ذهبية مكتوبًا عليها (لأكثرهن جمالاً ).طالبت الإلاهات الثلاث ـ هيرا وأثينا وأفروديت بأحقية التفاحة، وهنا بدأ الشجار واستطاع باريس بن بريام ملك طروادة الحكم في ذلك النزاع وقدَّم التفاحة لأفروديت لأنها وعدته بهيلين أكثر النساء جمالاً في العالم.كانت هيلين متزوجة من منيلاوس ملك أسبرطة، واستطاعت الهروب من باريس إلى طروادة عند زيارته لها.قام الملك منيلاوس وأخوه أجاممنون بإعداد حملة عسكرية ضد طروادة لاسترداد هيلين. وكان ضمن الجيش الإغريقي أبطال مثل أخيل، وأجاكس الأكبر، ونستور وأوديسيوس (يوليسيس باللاتينية)
حصار طروادة
حاصر الجيش الإغريقي مدينة طروادة مدة عشر سنوات ولكنه لم يستطع هزيمة المدينة.وصفت ملحمة الإلياذة بعض الحوادث التي وقعت أثناء السنة الأخيرة للصراع. شعر الإغريق بالضعف بعد أن غادر أخيل أشجع المحاربين أرض المعركة، ورفض القتال بعد أن أساء إليه القائد الإغريقي أجاممنون.واستطاع الطرواديون بقيادة هيكتور طرد الإغريق إلى سفنهم. وأخيراً عاد أخيل إلى القتال بعد أن قتل هيكتور أعز أصدقائه باتروكلساستطاع أخيل قتل هيكتور انتقامًا لمقتل صديقه باتروكلس.تنتهي الإلياذة بجنازة هيكتوروروت الأساطير الإغريقية الحوادث التي تعاقبت بعد ذلك وكما تذكر هذه الأساطير فإن الطرواديين قد تلقوا المساعدة من حلفائهم الأثيوبيين وجيش من المحاربات النساء يسمى الأمازونيات.استطاع أخيل مساعدة الإغريق في هزيمة أعدائهم بقتل بنثيسليا ملكة الأمازونيات وميمنون ملك الأثيوبيين. وأخيراً استطاع باريس بمساعدة الإله أبوللو قتل أخيل بطعنِه بسهم في الكعب.
سقوط طروادة
لقد وصِف سقوط طروادة في الملحمة التي تُدعى الإنيادة. وتصف الإنيادة كيف أن الإغريق قد بنوا حصاناً خشبياً ضخماً أصبح يعرف باسم حصان طروادة ووضعوه خارج أسوار طروادة واختبأ أوديسيوس والمحاربون الآخرون داخل الحصان بينما أبحرت بقية الجيش الإغريقي بعيداً.حذرت العرافة كاسندرا والقس لاوكون الطرواديين من أخذ الحصان إلى داخل مدينتهم ولكن السجين الإغريقي سينون استطاع إقناعهم بأن الحصان مقدس وسوف يجلب حماية الآلهة، وبعدها جر الطرواديون الحصان إلى داخل مدينتهم، وفي تلك الليلة غلبهم النعاس وناموا بعد الاحتفال بانتصارهم الظاهرياستطاع أوديسيوس وزملاؤه التسلل من الحصان وفتح أبواب المدينة لبقية المحاربين الذين عادوا من جزيرة قريبة.استرجع الإغريق هيلين وذبحوا جميع سكان طروادة تقريبًا وأحرقوا المدينة. وتشير ملحمة الإنيادة إلى نجاة بعض الطرواديين ومن ضمنهم المحارب إينياس الذي أسس أحفاده مدينة روما.
الأحد، 21 سبتمبر 2008
كان يا مكان

فيدور دوستويفسكي وتأملات في (النفس المرتفعة الإدراك والمثقلة بالهواجس)
إن أمنا الحياة لا تمرر ذلك الخرق لقوانينها الفطرية دون عقوبة، بل تجعل العقاب ينبع من داخل الفطرة الإنسانية نفسها، بسياط الضمير اللاهبة.. ولذلك نجد أن فيدور في روايته (الجريمة والعقاب) أطال في وصف العقوبة على حساب القصر النسبي في وصف الجريمة ذاتها.
غير أنه أيضاً يستدرك، فيعلمنا أن الروح العظيمة إنما تخرج من تحت تجربة عميقة الصهر، تنقيها من شوائب النفس وتهيئها للخلود الحقيقي.
وأن تلك الجريمة الهائلة الطريقة لبطل روايته، إنما كانت لتعاود خلقه من جديد..
(الحق الحق أقول لكم: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير) - إنجيل يوحنا -
إن هذه الجملة من الإنجيل التي قدم بها فيدور روايته (الأخوة كارمازوف) لتنبئنا تأكيداً عن نظرة ديوستويفسكي بأن خروج الروح العظيمة إنما يكون بعد ترديها في الأرض بتجربة عميقة مذلة.
كما تذكرنا بمقولة النقاد الذين قالوا: (إن فيدور وضع هذه الجملة من الإنجيل مقدمة لروايته، لأنه كان يؤمن أن خروج الشعب الروسي إنما يحدث بعد تجربة عميقة).
وبعيداً عن بطل الجريمة والعقاب، المثقف شديد الإسراف في الشذوذ -كما يظهر من اضطراب فكره الذي أوصله للقتل - نجد أن المثقفين من أبطال (فيدور) لم يخرجوا كثيراً عن تلك الروح المتناقضة ل(رسكولينكوف) السوداوية الحساسة، والمعناة بالتفاصيل، والواقعة تحت أثقال العذاب النفسي العنيف بسبب من حياتها القاسية أولاً وبسبب من فكرها العميق ثانياً.
إن تلك الحساسية المفرطة والإدراك العالي الممتزج بالسوداوية، مع العناية بالتفاصيل، والشعور بالإذلال والشك أمام كل حدث يقع، لهو قطعة من العذاب النفسي يعتني بوصفها فيدور عناية بالغة.
(أقسم أيها السادة أن شدة الإدارك مرض، مرض حقيقي خطير. إن حياة الإنسان المألوفة لا تتطلب منه أكثر من إدراك الإنسان العادي، أي نصف أو ربع الإدارك الذي يتمتع به الإنسان المثقف في هذا القرن التاسع عشر الكئيب).
***
وفي مقطع آخر: (وكنت أقول لنفسي دائماً: المشكلة معي هي أنني أبالغ في فهمي للأشياء).
إن مثقفي فيدور يقفون وجها لوجه في كل مرة، أمام فكرة أو سؤال فلسفي يقظ من مضجع أرواحهم فيتساءلون بحرارة ولهفة: (وهنا أجد نفسي بالفعل في مواجهة هذا السؤال: أيهما أفضل: السعادة الرخيصة، أم العذاب السامي؟ حسناً، أيهما أفضل؟).
إن المثقفين عند فيدور يتصورون بصورتين تقريباً: مثقفو الوجاهة، أصحاب المناصب الرفيعة والذين تحصلوا على ثقافتهم بحكم قدرتهم المادية المرتفعة والتي كُرست للحصول على تعليم راق..
وصورة المثقفين أصحاب الاستعداد الفطري للفن، ونجد أن من خصائصهم الروحية أن أرواحهم ترزح دائماً تحت وطأة العذاب الفني والفكري، كما أنها تائهة غير محددة الوجهة، وتطغى عندها المشاعر على صفة التعقل والتروي.
في مقابل المثقفين الوجهاء الذي تميزوا بالروح العملية المادية، لطبيعة الطبقة الاجتماعية التي عاشوا بها. حيث نجد أن أرواحهم منسجمة مع الحياة انسجاماً بارداً ليس فيه حرارة الفن، ولا فيه تلك الحرارة الصادقة النابعة من السذاجة البريئة لطبقة الفلاحين, كما نجد أنهم غير قادرين على الخلق الحقيقي والابتكار.
وإن هذا الوصف الذي نجده في طيات روايات (فيدور) ليوصلنا إلى سر دوستويفسكي نفسه، من كونه فناناً بالفطرة صاحب روح قلقلة بالفن، مريضة بالفلسفة.
وتتأكد له -هو نفسه - هذا الحقيقة, عندما كتب روايته الأولى (الفقراء) فأطلع عليها الناقد الروسي الشهير بيلنسكي، فهتف به متحمساً عندما رآه: (أأنت تفهم أيها الشاب ماذا كتبت؟).
وتابع القول بأن ما لدى دوستويفسكي هبة من الله، فمن المستحيل أن يطلع شاب صغير في مثل سنه على تلك البواطن العميقة من النفس، إن لم يكن قد خلق الله في تكوينه منذ البداية عضواً خاصاً بالفن!.
وأدرك فيدور حينها معنى كل تلك الخيالات العنيفة والمعذبة، التي أثقلت روحه بنير العبودية للفن.
إن هؤلاء العباقرة هم من عناهم الرافعي وهو يفسر آية (زين للناس حب الشهوات من النساء....).. فيخبر عنهم بقوله: (إن من إعجاز الآية أنها اشتملت على تزيين الشهوات الإنسانية جميعها (الغريزة والعاطفة والروح والنفس)، أما ما كان خاصاً بشهوات العقل فلم يدخل في الآية وهذا من أعجب إعجازها، لأن أمور العلوم والفنون (لا تزين) إلا لفريق محدود من الناس، أي لا يزين حب الشهوات منها، وهذا الفريق عادة هم النوابغ العبقريون، وهؤلاء العبقريون في الحقيقة لا يجدون من العلوم والفنون (متاع الحياة الدنيا) ولكن مصائب الحياة الدنيا).. انتهى كلامه رحمه الله. غير أن مثقفي فيدور ينضجون في النهاية، ويصلون لنوع من الاتزان مع الحياة ومصائبها، وهذا الاتزان لم ينتج بحكم التعود الإنساني، ولكن عن قناعة عميقة بالله.
ورغم أن فيدور يؤمن بقدرة الإنسان على التكيف والاعتياد: (كائن يعتاد كل شيء، هذا في رأيي أفضل تعريف يمكن أن يعطى عن الإنسان).
إلا أن النضج المتزن غير المتذمر والغاضب - برأيي - والذي وصل له أبطاله المثقفون فيما بعد كما يظهر لنا في رواية (الأخوة كرامازوف) جاء من بعد معاناة عميقة وحقيقة لفيدور نفسه وهو يبحث عن الله وروح الدين... فنجده يصرخ بنقاده اللبراليون الذين تناولوا كتابه (الأخوة كارامازوف) بالنقد، وقالوا عن إيمانه بالله أنه (رجعة): (لا، إنني لم أؤمن بالله ولم أعترف به كما يفعل طفل، وإنما أنا وصلت إلى هذا الإيمان صاعداً من الشك والإلحاد بمشقة كبيرة وعذاب أليم).
***
لقد أبَّن فيدور صديقه القديم الشاعر بخطاب أليم، يبكي فيه: (القلب الجريح إلى الأبد، القلب الذي ظل جرحه ينبوع شعره كله، ومصدر حبه لكل من يتألم من الاضطهاد والعذاب).. وهكذا نحن نؤبِّن بنفس قوله روحه العظيمة الحساسة وندرج من بعد وصفاً حياً وافياً للناقد الروسي (ميريجكوفسكي):
(أما دوستويفسكي فأوثق بنا صلة وأقرب منا. لقد عاش فيما بيننا، في مدينتنا الكئيبة الباردة، ولم يخف تعقيدات الوجود الحديث، وقضاياه العضالة، ولم يتهرب من عذاباتنا، ولا من عدوى العصر. إنه يحبنا بكل بساطة، كصديق، كند لنا، ليس من أعماق بعد شعري كتورجنيف، ولا بسمو المبشر مثل تولستوي. إنه ملك لنا بكل أفكاره وبكل عذاباته).
لقد شرب معنا كأساً مشتركة، وهو مثلنا جميعاً قد أصيب بالعدوى رغما عن سموه. إن تولستوي يضمر ازدراء عظيما للمجتمع الفكري، (هذه النفاية)، إنه يغذي حقدا شديدا على ضعف الخطاة من أشباهه، إنه ينفر ويخيف باحتقاره، وبالقسوة التي يلجأ إليها كي يدين ما هو باق على قلوب البشر مقدسا في أنظارهم رغما عن كل شيء، دون أي اعتبار لسائر التهجمات عليه، وأن دوستويفسكي ليؤثر فينا أحيانا أكثر مما يفعل الأشخاص من أقاربنا وأصدقائنا الذين نحيا فيما بينهم والذين نحبهم. إنه يجعل من نفسه رفيقا لنا في أمراضنا، شريكا لأفعالنا السيئة والحسنة، وليس ما يجمع البشر مثل العيوب المشتركة. إنه يعرف أفكارنا الأكثر خفاء ويعرف مطامح قلوبنا الأكثر إحراجا. وليس من النادر أن ينتاب القارئ الذعر تجاه معرفته الشاملة، تجاه هذا النفوذ العميق بصورة لا متناهية إلى وجدان الآخرين. وأنك لتلقى عنده بعضا من تلك الأفكار الدفينة التي لا تجسر على الإسرار بها حتى لنفسك، وأقل من ذلك لصديق قريب. وعندما يمنحك هذا الرجل الذي اعترفت له بكل أعماقك غفرانه رغما عن ذلك، عندما يقول لك: (آمن بالخير، آمن بالله، آمن بنفسك)، فمن المؤكد أن في ذلك شيئا يسمو على تحليق الفنان أمام الجمال، شيئا يتجاوز عظات ذلك النبي المتجبر، المنعزل عن الجميع.
إن دوستويفسكي يفتقر إلى الانسجام، ينقصه ذلك التناظر القديم في ترتيب الأجزاء - ميراث الجمال البوشكيني- ينقصه كل ما أفعم به مؤلف (الآباء والبنون) من تراث مدهش، كما تعوزه تلك القوة البدائية، تلك الصلة المباشرة مع الطبيعة، التي نجدها عند ليون تولستوي. هذا إنسان خرج حديثا من الحياة، قد تألم لتوه وبكى، ولم تجف الدموع بعد عن أجفانه، كما لا يزال صوته يرتجف ويداه ترتعشان بفعل انفعاله. يجب ألا نقرأ مؤلفات دوستويفسكي، بل يجب أن نعيشها، أن نتلمس عذاباتها كي نفهمها، وعندئذ فإنها لن تغادر ذاكرتنا إلى الأبد.
وسلام على كل تلك الأرواح الخلاقة المعذبة بالفن، سلام لك فيدور.
الأربعاء، 17 سبتمبر 2008
طلعت حرب

محمد طلعت بن حسن محمد حرب، اقتصادي مصري راحل وصاحب الفضل في تحرير الاقتصاد المصري من التسلط الأجنبي، وإنشاء العديد من الشركات المساهمة والتي يقوم بتمويلها وإداراتها والعمل فيها والاستفادة منها أفراد الشعب المصري.
ولد طلعت حرب في 25 نوفمبر عام 1867 بمنطقة الجمالية بالقاهرة، أنهى دراسته الثانوية بمدرسة التوفيقية، ثم حصل على شهادة الحقوق من مدرسة الحقوق عام 1889م، أهتم بالإضافة لدراسة الحقوق بدراسة الأمور الاقتصادية، وأيضاً الإطلاع على العديد من الكتب في مختلف مجالات المعرفة والعلوم وقام بدراسة اللغة الفرنسية حتى أجادها إجادة تامة.
المناصب التي شغلها
بدأ طلعت حرب حياته العملية مترجماً بقلم القضايا بالدائرة السنية التي كانت تتولى الأراضي الزراعية المملوكة للدولة، ثم تدرج في المناصب حتى عين مديراً لأقلام القضايا، عمل بعد ذلك مديرا لشركة كوم امبو و التي كان مجال نشاطها في استصلاح وبيع الأراضي، ثم مديراً للشركة العقارية المصرية وكانت تعمل في مجال تقسيم و بيع الأراضي و عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها للمصريين.
كان طلعت حرب يتطلع دائماً للعمل الحر فقام بإنشاء " شركة التعاون المالي"، و التي قامت بتقديم العديد من القروض المالية للشركات الصغيرة المتعسرة مادياً.
بنك مصر
كان طلعت حرب دائما ما ينادي بفكرة إنشاء بنك للمصرين برأس مال مصري وإدارة مصرية خالصة، حيث كان اهتمامه دائما بالاقتصاد المصري وكيفية النهوض به، خاصة بعد أن كانت البنوك كلها في ظل الاحتلال حكراً على الأجانب وحدهم، فسعى لإقناع عدد من المصريين بالاكتتاب لإنشاء بنك مصري برأس مال مصري خالص، وقاد حملة للدعاية من اجل هذا الغرض، وبالفعل تم الاكتتاب حيث بلغ ما تم اكتتابه حوالي ثمانون ألف جنيه، وكان اكبر مساهم بالبنك هو عبد العظيم المصري بك حيث بلغ أجمالي الأسهم التي قام بشرائها ألف سهم.
وفي يوم 13 إبريل عام 1920م، تم نشر مرسوم تأسيس شركة مساهمة مصرية تسمى"بنك مصر" في جريدة الوقائع المصرية و هي الجريدة الرسمية للدولة.
نص عقد الشركة الابتدائي على أن الغرض من إنشاء البنك هو القيام بجميع الأعمال البنكية من خصم وتسليف على البضائع و المستندات، وقبول الأمانات و الودائع و غيرها من الأعمال الخاصة بالبنوك، وتم تعيين مجلس إدارة للبنك ضم عدد من الأعضاء نذكر منهم أحمد مدحت يكن باشا والذي انتخب رئيساً، محمد طلعت حرب بك نائباً للرئيس وعضو منتدب، يوسف أصلان قطاوي باشا، عبد العظيم المصري بك، يوسف شكوريل بك، علي ماهر بك، الدكتور فؤاد سلطان وغيرهم، وتم الاحتفال بتأسيس البنك في 7 مايو 1920م.
شركات مصرية
قام طلعت حرب في إطار السياسة الاقتصادية للبنك بتأسيس العديد من الشركات منذ افتتاح البنك وحتى عام 1938م، حيث كان يقتطع جزء معين من الأرباح السنوية للبنك يظهر في الميزانية باسم " مال مخصص لتأسيس أو تنمية شركات مصرية صناعية تجارية" حيث يتم المساهمة به في رأس مال الشركة و يساهم المواطنون بالباقي، فأصبح البنك من تأسيس المصريين و المستفيدين منه أيضاً المصريين، بحيث أصبح نظام العمل في البنك والشركات نظام اقتصادي متكامل أي يتم تجميع مدخرات المصريين في البنك ويقوم هو بتوظيفها في الشركات المصرية والتي بدورها تقوم بإنتاج منتجات مصرية بمستوى جودة عالي و أسعار منخفضة تقوم بسد الاحتياجات الضرورية للاستهلاك المحلي مما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني ككل وبالتالي على المواطن وأيضاً توفير العديد من فرص العمل وتدريب الأيدي العاملة في جميع المجالات الصناعية والاقتصادية والمالية.
كانت أولى الشركات التي قام بنك مصر بتأسيسها هي مطبعة مصر، وشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، وغيرها الكثير. وتم التوسع في البنك و فتحت له فروع أخرى في داخل مصر مثل الإسكندرية و غيرها من المناطق، وفي الدول العربية مثل بنك مصر سوريا لبنان، وفرع آخر بالمملكة العربية السعودية.
الاستقالة
وعلى الرغم من النجاح الذي حققه طلعت حرب من خلال بنك مصر والإنجازات الاقتصادية الهائلة التي تم تحقيقها، إلا أن البنك تعرض لأزمة مالية كبيرة،كان الاحتلال البريطاني ورائها، حيث تسارع آلاف المودعين بسحب أموالهم من البنك ومما زاد الأزمة سحب صندوق توفير البريد لكل ودائعه من بنك مصر، ورفض البنك الأهلي أن يقرضه بضمان محفظة الأوراق المالية، و عندما ذهب طلعت حرب إلى وزير المالية حينذاك حسين سري باشا لحل هذه المشكلة، كان الشرط الوحيد الذي قدمه الوزير لحل أزمة البنك هو تقديم طلعت حرب لاستقالته.
وبالفعل قدم طلعت حرب استقالته للمحافظة على البنك هذا الإنجاز العظيم الذي قام بتقديمه للمصريين، والذي أستمر إلى يومنا هذا يقدم خدماته إلى المواطن المصري ورمزاً وتخليداً لذكرى واحد من أبرز الاقتصاديين الذين عرفتهم مصر. ومن أقواله الشهيرة في هذا الموقف هو " فليذهب طلعت حرب و ليبق بنك مصر".
وجه أخر لطلعت حرب
استطاع الجانب الأدبي أن يشق له طريق في حياة طلعت حرب الاقتصادية، فقام بتأليف عدد من الكتب كان أولها كتاب " تاريخ دول العرب و الإسلام" صدر عام 1897م، وأيضاً كتاب "تربية المرأة و الحجاب" عام 1899م، و"فصل الخطاب في المرأة والحجاب".
الوفاة
توفى طلعت حرب في 21 أغسطس عام 1941م، بعد أن حقق للشعب المصري نهضة اقتصادية، وأثبت للعالم أجمع قدرة الإنسان المصري والعربي على إدارة أعماله بمفرده دون الحاجة للوصاية الأجنبية عليه.
الجمعة، 12 سبتمبر 2008
مارد

الفتق الكوني: حقائق جديدة
هل نظرية الانفجار العظيم صحيحة؟ وهل يمكن أن نفسر بها آية الرتق والفتق في القرآن؟ وما هي الحقائق الجديدة التي تثبت أن الكون كان أشبه بنسيج ثم تباعدت خيوطه وانفتقت، لنقرأ.....
أرسل لي أحد الإخوة الأفاضل (جزاه الله خيراً وكل من يساهم معنا ولو بمعلومة نافعة) ببحث جديد نشر على موقع science news بعنوان: From Dark Matter to Light أي: من المادة المظلمة إلى الضوء، وهذا البحث نشر أساساً على مجلة Astrophysical Journal والذي لفت انتباهي أن الباحثين مقتنعون اليوم تماماً أن هناك خيوط كونية تتوضع عليها المجرات، وهذه الخيوط تتباعد عن بعضها تماماً كما تتباعد خيوط النسيج!!
ولكن دعونا نقف لحظة عند قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: 30]. (الرتق) في اللغة هو عكس (الفتق)، وفي معجم القاموس المحيط: فتقه أي شقَّه، وهاتين الكلمتين تُستخدمان مع النسيج، فعندما يمزق النسيج ويباعد بين خيوطه نقول (فتق الثوب)، والرتق هو العكس، أي جمع وضم هذا النسيج.
وفي تفسير ابن كثير: "ألم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً أي كان الجميع متصلاً بعضُه ببعض، متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر".
إذاً فهم ابن كثير من الآية أن الكون (السموات والأرض) كان عبارة عن مادة متلاصقة متقاربة من بعضها متراكمة فوق بعضها، وطبعاً هذا كان في بداية الخلق. ثم باعد الله بين السماء والأرض وفصل بينهما.
ولو تأملنا ما جاء في البحث السابق نرى بأن الباحثين يتحدثون بدقة عما تحدث عنه ابن كثير!! فهم يقولون إن الكون في بداية أمره كان عبارة عن مادة على شكل نسيج متقارب ومتراكم بعضه فوق بعض، ثم بدأت خيوط هذا النسيج تتباعد خلال بلايين السنين.
والعجيب أنهم صوَّروا هذه العملية (أي عملية الفتق وتباعد خيوط النسيج) باستخدام السوبر كمبيوتر، ووصلوا إلى نتيجة شبه يقينية أن خيوط النسيج الكوني تتباعد عن بعضها باستمرار تماماً كما تتباعد خيوط القماش نتيجة تمزقه!

صورة تبين لنا بواسطة الكمبيوتر أن الكون في بداياته (450 مليون سنة بعد خلقه) كان عبارة عن خيوط من المادة متماسكة ومتقاربة مثل خيوط القماش (الصورة اليمنى)، ثم بدأت هذه الخيوط بالتباعد وكأننا نمزق هذا القماش والصورة اليسرى تصور لنا الكون بعد 6000 مليون سنة من خلقه تأمل الفراغات السوداء كيف كبُرت وكيف تتباعد الخيوط عن بعضها، وهذه الخيوط هي مجرات. والله أعلم.

تأملوا معي الصورة اليمنى التي تمثل الخيوط الكونية، وتأملوا معي الصورة اليسرى التي تمثل هذه الخيوط ولكن بعد فترة من الزمن، ونلاحظ أن الخيوط تتباعد وكأننا أمام قطعة نسيج تنفتق وتتمزق ولكن بإحكام مذهل! ويلاحظ العلماء أن المجرات تتدفق على طول الخيوط، باتجاه العقد في هذا النسيج، وكل نقطة مضيئة في هذه اللوحة هي تجمع للمجرات، فتأملوا عظمة هذا الرتق الكوني! المرجع: مختبر ماكس بلانك ألمانيا.
التفسير الحديث للآية
القرآن نزل قبل 1400 سنة ولا زال المسلمون يحاولون فهمه وتدبره واستخراج عجائبه، والقرآن مليء بالآيات الكونية، وهذه الآيات لا يجوز لنا أن نهملها بحجة أنه لا يجوز تفسيرها بالنظريات العلمية، لأن المؤمن مطلوب منه أن يتدبر القرآن باستمرار، وعندما يصل لآية كونية لا يجوز له أن يتجاوزها بل يتفكر فيها لأنها جزء من القرآن.
فقد فسر علماؤنا في العصر الحديث هذه الآية على أنها تتحدث عن الانفجار العظيم، وهي نظرية لم تثبت بعد ولكنها أفضل الموجود لتفسير نشوء الكون. وملخصها أن الكون كان كتلة صغيرة ثم انفجر وتباعدت أجزاؤه ثم شكل الذرات ومنها تشكلت النجوم والمجرات والشمس والقمر والأرض كما هو الوضع عليه اليوم.

نظرية الانفجار الكبير صحيحة جزئياً، فهي من حيث المبدأ صحيحة أي أن الكون كان كتلة واحدة ثم انفصلت أجزاؤها مشكلة المجرات والنجوم والكواكب، ولكن يوجد بها خطأ لأن الانفجار لا يُنتج النظام الذي نراه في الكون، بل الانفجار ينتج الفوضى والدمار.
ولكن مشكلة هذه النظرية أنها لا تقول لنا من أين جاءت الكتلة الأولية؟ مَن الذي أحدث الانفجار؟ وكيف يمكن لانفجار عشوائي أن يخلق كوناً منظماً بهذه الدقة الفائقة؟ ولذلك استأنس علماؤنا بهذه النظرية على الرغم من عيوبها لأنها أفضل الموجود.
ولكن بعدما تطور العلم وبدأ العلماء يتحدثون عن الخيوط العظمى، وأن هذه الخيوط من المادة كانت متماسكة وقريبة من بعضها في بداية نشوء الكون، ثم بدأت تتباعد وفق نظام محكم يعتبره العلماء من أعظم الظواهر الكونية، هذه النظرية الجديدة والتي هي أقرب للحقيقة اليقينية، لأنها مشاهدة، فالمجرات تم رصدها في الكون ووضعها على شبكة ثلاثية الأبعاد على الكمبيوتر العملاق، وطُلب منه أن يضع كل مجرة في مكانها فكانت المفاجأة للعلماء أنهم رأوا خيوطاً من المجرات تتشابك وتتباعد عن بعضها عبر بلايين السنين.
ولذلك يا أحبتي نستطيع أن نقول إن وجود هذه الخيوط الكونية المتقاربة في بداية الخلق هو الرتق الذي حدثنا عنه القرآن، وتباعد هذه الخيوط بنظام محكم هو الفتق، وهكذا يتحقق معنى الآية لغوياً وتفسيرياً.
كيف فهم ابن عباس هذه الآية
هناك تفسير رائع لابن عباس رضي الله عنه يقول فيما معناه: كانت السماء رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تُنبت، ففتق الله السماء بالمطر، وفتق الله الأرض بالنبات. وبالفعل ثبُت علمياً أن الأرض كانت في بداية خلقها ملتهبة لا تنبت، والغلاف الجوي لم يكن قد تشكل أي لا توجد أمطار، ثم تشكل الغلاف الجوي للأرض وتشكلت الغيوم وبدأت السماء تمطر، وبدأت الأرض تنبت بعد أن تبردت وتشكلت الجبال والأنهار والبحار.
هذه عظمة القرآن أن كل إنسان يستطيع أن يفهمه حسب ثقافة عصره، ولا نجد أي تناقض في فهم كتاب الله تعالى وهذا ما حدثنا عنه القرآن بل أمرنا بالتدبر من أجله، يقول تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82].
هل هناك تناقض في القرآن؟
وهنا أود أن أتوقف معكم لأقول يا أحبتي: لا مشكلة إذا أخطأ مفسر في تفسير آية، لأن القرآن هو الحقيقة المطلقة التي لا تتغير، أما التفسير فهو يمثل فهم البشر للآية. وبما أن الناس يختلفون في مستوى فهمهم وبما أن العلم يتطور فلابد أن يكون هناك تطور في التفسير، وهذا لا يسيء للقرآن، بل يؤكد على أن هذا القرآن مناسب لكل عصر من العصور، لأنه لا يوجد كتاب على وجه الأرض (إلا القرآن) يمكن تفسيره بشكل منطقي وبما يتفق مع العلم مهما تطور العلم!
وفي هذا رد على من ينكر الإعجاز العلمي بحجة حرصه على القرآن، فالأخطاء التي تصدر من البشر تبقى للبشر، ويبقى القرآن منزهاً عن الخطأ. والمؤمن إذا اجتهد فأخطأ فله أجر (بشرط أن يكون مخلصاً) وإذا اجتهد فأصاب فله أجران. وهذا يثبت أنه لا تناقض في القرآن ولا اختلاف، بل تعدد في التفاسير وتعدد في فهم النص القرآني، لأن القرآن نزل للبشر كافة.
وأقول يا إخوتي بصفتي باحث في هذا العلم إن من يكتب في الإعجاز العلمي لا يجزم بأن تفسيره العلمي للآية هو الصواب المطلق، وحسب اعتقادي أن معظم كتاب الإعجاز العلمي يعرفون ذلك، ويدركون أن أبحاثهم هي اجتهادات وليست قرآناً!!! القرآن مطلق وثابت ولكن التفسير يتغير حسب تطور العلم وهذا لا يسيء للقرآن أبداً، إلا أولئك الذين في قلوبهم زيغ ومرض فنجدهم يتتبعون أخطاء الباحثين بهدف التشكيك في كتاب الله تعالى، ولكن من عظمة القرآن أنه حدثنا عن أمثال هؤلاء قبل أربعة عشر قرناً. تأملوا معي هذا النص القرآني العظيم: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 7].
وقد يقول قائل: لماذا أنزل الله الآيات المتشابهات؟ هل ليضلنا عن الحق؟ أليس هذا ظلم للناس؟ إذاً لماذا يعذبهم؟ وأجيب بسؤال: هل تعرفون أحدث طريقة للامتحانات في الجامعات الأمريكية؟ إنها طريقة الإجابات المضللة!! حيث يطرحون على الطالب سؤالاً ويضعون له أربع إجابات مضللة أي خاطئة وإجابة واحدة صحيحة، وعليه أن يختار، وهنا يظهر الطالب المجد من الطالب الكسول. ولا أتوقع أن أحداً يقول إن الأساتذة يضلون الطلاب! مع العلم يحاول الأساتذة وضع الإجابات المضللة قدر الإمكان، لذلك يضعون عدة إجابات مضللة.
ولكن الله تعالى وضع لنا طريقاً شديد الوضوح، ووفر علينا العناء والتفكير فأنزل هذا القرآن، وأمرنا أن نطبق ما فيه، فهل هذا إضلال أم هداية؟؟ إن وجود وسائل الضلال مثل الشيطان والشر والشهوات هي أمور لابد منها، ليختبر الله صدق إيماننا به ومدى طاعتنا له.
فالملحدون والمشككون ماذا يفعلون: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) أما المؤمنون ماذا يقولون: (يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا). ولذلك ماذا قال تعالى بعد ذلك؟ لقد علمنا دعاء عظيماً ينبغي أن نكرره، فالله تعالى هنا كأنما يعطيك الإجابة الصحيحة ويلقنك ما ينبغي عليك قوله وفعله، ولذلك علمنا هذا الدعاء: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: 8-9].
فبالله عليكم! بعد أن بين لنا الله طريق الهدى وسخر لنا أسباب الهداية، علَّمنا كل شيء من خلال الكتاب والسنة، ووضح لنا طريق الشر ونهانا عن الفواحش وعن الضلال وحذرنا من الشيطان وأساليبه في الإغواء وأراد لنا الخير، فهل نسمي هذا إضلالاً أم نسميه هداية؟ بالله عليكم لو أن طالباً في قاعة امتحان، جاءه الأستاذ وأعطاه الجواب الصحيح، وأصرّ الطالب على وضع الإجابة الخاطئة، فرسب في الامتحان، فماذا نسمي ذلك؟ ومن هنا الذي ظلم نفسه؟ هل نقول إن الأستاذ ظلم الطالب أم أن الطالب ظلم نفسه؟
هذا هو الله تعالى! يريد لنا الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، فيا ربنا لا تؤاخذنا بظلم هؤلاء لأنفسهم، واجعلنا من عبادك الطائعين الفائزين في الدنيا والآخرة: (رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [آل عمران: 53].
ـــــــــــ
